<% @language="vbscript" %> المختار من شعر أمل دنقل

 

المختار من شعر أمل دنقل



يصر أمل دنقل علي رسم شجرته العائلية وتتبع أنسابها ، مؤكدا جذوره العربية ، منتسبا لقبيلة ( الإمارة ) تلك القادمة عبر البحر الأحمر _ زمن الفتح العربي _ لتسكن قلعة الجنوب .

في قرية القلعة مركز (فقط ) وعلي بعد عشرين كيلو مترا إلي الجنوب من مدينة قنا ولد أمل دنقل في 23/ 6 / 1940 .. نفس العام الذي حصل فيه والده علي ( إجازة العالمية ) من الأزهر ، وتيمنا بالنجاح الذي لم يحصل عليه أحدا من قبل في العائلة أو القرية ، أطلق اسم (أمل ) علي مولودة الأول .
وفي القلعة فرضت الطبيعة الجغرافية الحارة ، الحادة في تضاريسها ذلك الحسم والوضوح المميز في شخصية أمل دنقل .. وفرضت أيضا ( الكتابة ) كاختيار طبيعي في تلك البيئة البعيدة والمعزولة عن مركزية الثقافة في القاهرة العاصمة .. وكانت مكتبة والده الدينية أول مصادره الثقافية ، بما احتوته من كتب الشريعة والفقه والتفسير ، وما ضمته من كتب التراث والشعر العربي القديم . هذا ما تؤكده القصيدة أيضا ، منذ خرج أمل دنقل علي الميثولوجيا الإغريقية والغربية ،التي سادت في رموز الشعر بالخمسينيات ، وخرج علي ما يسمى بالمصرية والشعبية مستخدما رموز التراث العربي من وقائع وأساطير وشخصيات عربية وإسلامية ،تأكيدا لهويته القومية وسعيا إلي تنوير القصيدة وتحديثها ..هكذا عرفه القارئ من خلال ديوانه الأول ((البكاء بين يدي زرقاء الحمامة )) والذي صدر في بيروت عام 1969 ، وجسد فيه إحساس الإنسان العربي بنكسة 1967 ..ومنذ ذلك الحين عرف كشاعر النبؤة ، الأمر الذي تأكد في قصيدته ((مقتل كليب )) الشهيرة (( بلا تصالح )) والتي كتبها في نوفمبر 1976 بعد توقيع اتفاقية فصل القوات بين
مصر وإسرائيل .

عرف أمل دنقل بالتزامه القومي وقصيدته الرافضة , لكنه لم ينضم يوما إلي جماعة أو حزب سياسي , مؤمنا بحريته الفكرية والتي شكلت الأفكار الماركسية والوجودية الكثير من خطوطها .
إنه ضد المؤسسات من حيث هي مؤسسات , وضد الأحزاب من حيث هي أحزاب , وحتى لو وجدت المؤسسة الثورية السليمة , لصعب عليه الاندراج فيها فالأحزاب لديه كانت تعني دائما اليقيني والثابت وهو الذي ظل طوال حياته ضد اليقيني والثابت والأفكار الساكنة ... كما أن الشعر في داخله كان يدفعه إلي تجاوز كل يقين مؤقت إلي عوالم جديدة , ولهذا وقف دائما مع ( الحلم ) ضد ( الواقع ) ومع الآتي ضد الحاضر ,مكونا حزبا شعريا علي الآخرين أن يتبعوه ويسيروا وراءه .
كان صوته الرافض يضعه في تناقض جذري مع المؤسسات والجماعات الرسمية , وكانت حريته تحول بينه وبين الانضمام للأحزاب المعارضة بينما قصائده تتحول في كثير من الأحيان إلي منشور شعري لكل حركة ثورية ... عندما كتب قصيدته الشعرية
الشهيرة ( الكعكة الحجرية ) تحولت فور كتابتها عام 1972 إلي منفستو للحركة الطلابية , وأدي نشرها الأول في مجلة ((سنابل ))
والتي كان يصدرها الشاعر محمد عفيفي مطر في محافظة كفر الشيخ إلي إغلاق المجلة ... وظل أسمه ممنوعا من أجهزة الأعلام الرسمي أكثر من عشر سنوات , بل تم عزله من الاتحاد الاشتراكي
العربي , رغم أنه لم يكن عضوا فيه ... سنوات لم يستطيع أمل دنقل نشر قصائده داخل مصر , فصدرت كل مجموعاته الشعرية في بيروت .. ((البكاء بين يدي زرقاء اليمامة )) 1969 , (( تعليق علي ما حدث )) 1971 , (( مقتل القمر )) 1974 , ((العهد الآتي )) 1975 , .. لكن بعد وفاته ولأول مرة صدرت له في القاهرة
(( أقوال جديدة عن حرب البسوس )) 1983 , (( أوراق الغرفة )) عن الهيئة العامة للكتاب .-



عرف أمل دنقل بشاعر الرفض , لكن القيمة الحقيقية في تجربته
الشعرية ليست متعلقة بمضمون الثورة , ولكن بقدرة هذا الشعر غلي التنوير .. كما أن الاتجاه السياسي الذي تفصح عنه قصيدته ما لا يمكن أن يكون صحيحا إلا إذا كان اتجاهها الفني صحيحا أيضا .. هكذا أدرك أمل دنقل دوره كشاعر يتحقق كيانه الحقيقي داخل القصيدة من حيث هي قصيدة فنية تخدم قضايا المجتمع , ويتحقق خلالها سعيه الدائم إلي الحرية .

حدد أمل دوره وملامح تجربته الشعرية , حين رأي أن الشاعر مطالب بدورين .. دور فني بأن يوظف فنه لخدمة القضية الوطنية وخدمة التقدم , لاعن طريق الشعارات السياسية والصراخ والصياح وإنما عن طريق اكتشاف وكشف تراث الأمة وإيقاظ إحساسها بالانتماء وتعميق أواصر الوحدة بين أقطارها .

عاش أمل حياة البسطاء , يحمل بؤس الفقراء والمطحونين ويمتلك معهم الكثير من المعاناة والعذاب الطويل .. في العاشرة من عمرة عرف فقد الأب , فعلمه اليتم والألم والمرارة أن يصبح رجلا صغيرا مسئولا عن أمه وشقيقيه .. ترك الدراسة بعد إتمام الدراسة الثانوية , فلم تسمح ظروفه الاقتصادية من استكمال دراسته في كلية الآداب جامعة القاهرة , فتركها بعد عامه الأول فيها ... ولم تسمح له الوظائف الصغيرة بتحقيق استقرار معيشي خاصة وهو دائم الفرار من كل وظيفة , حيث لا مكان ولا مكانة لدية إلا للشعر .

لم يعرف طوال حياته منزلا واحدا يمتلكه أو بيتا خاصا يسكن فيه , لكنه عرف كيف يقتسم غرف أصدقائه , حتى صارت جدران غرف المدينة تحمل بعضا من ذكرياته وضحكاته وبعضا من أشعاره وبعضا من كتبه ...

كان أمل ينتمي للشوارع والأزقة والطرقات , حتى إنه ذكر يوما أن تاريخ الأرصفة هو تاريخه الشخصي .. هكذا حرجت مانشيتات الصحف يوم وفاته 21/5/ 1983 , صارخة (( يا شوارع القاهرة مات أمل دنقل )) .... ولعل الانتقال من غرفة إلي أخرى ومن فندق إلي آخر علمه ألا يحب البشر .