تغيب شمس الخميس.. هناك في القبر
الغربي.. كانت حمراء ..كأنها دمل ملتهب في ظهر الدنيا
الحزينة..الغيوم زاحفة بقوة.. العاصفة تستعد للنهوض.. وأنا أجلس
في غرفتي أطالع من خلف النافذة الضيقة جنازة الشمس ..لم أكن أحب
الشمس.. فهي رغم سلطتها اللا نهائية.. ورغم نورها الذي يملأ
الدنيا نهاراً.. إلا أنها دوما ضعيفة أمام الغيوم.. لم تتعلم
الدرس.. كل يوم تجر ناحية الغرب.. وتدفن .. وتظهر من جديد ..
وتتعامد على الكل.. ثم تجر ناحية الغرب.. وتدفن مرة أخرى..اختفت
الشمس من أمامي .. نور غرفتي يخرج من النافذة الضيقة.. لم يكن
يجرؤ على الخروج لولا موتها.. في البيت المقابل .. الملابس لا
تزال معلقة مبلولة.. الشمس على قوتها لم تفلح في نزع الماء من
بين الخيوط... أو أن صاحبة البيت قد تأخرت قليلاً.. الملابس
المبلولة تهتز.. أدركت أن العاصفة آتية لا محالة.. وقعت الملابس
على الأرض.. صاحبة البيت تصرخ.. الريح تشتد.. السماء تدمع بشدة..
لا أدري على من تبكي بالضبط؟.. هل تبكي على الشمس المدفونة؟.. أم
تبكي على غسيل صاحبة البيت المقابل؟.. هدأت الريح قليلا.. السماء
ملت البكاء.. على خد السماء بدأ يظهر على استحياء.. هلالي الشكل..
لكن نور نافذتي الضيقة كان أكبر من نور ذلك القمر الوليد.. ملأ
السكون كل شيء.. صاحب البيت المقابل يصيح.. منديله الأبيض لم يكن
بين الغسيل المبتل.. أنام.. استيقظ قبيل الفجر.. نور القمر تعدى
حدود الغرفة.. انظر من خلف النافذة.. السكون مطبق.. والريح تتلذذ
في حضن النعاس.. شيء يشدني للخارج.. معطفي الأزرق سعيد أنه سيخرج
معي.. وعلى البحيرة القريبة.. وبين المراكب الراسية كانت تجلس
القرفصاء.. بقايا بلل على جسمها النصف عاري.. ربما من دموع
السماء.. أو أن السماء كانت أصلاً تبكي من أجلها؟.. اقتربت منها
قليلاً..دخلت في معطفي الأزرق.. ابتسمت خيوطه الصوفية من شدة
الفرح.. بياض خدها يلمس صدري.. كانت قليلة الكلام.. كثيرة
الأنفاس.. دافئة الحضن.. القمر كان على الخد الآخر من السماء..
والفجر يحاول من جديد.. ظهرت الشمس من شرق الأفق بيضاء كالأمل..
ابتسمت أنا وهي وخيوط المعطف.. عدت إلى البيت وحدي.. صاحبة البيت
المقابل كانت تنشر الغسيل من جديد لعل الشمس تنزع منه البلل ..
لم تدرك أن الشمس لن تجر إلى الغرب بعد اليوم.