في قاهرة المعز ، وفي أحد قصور حي الزمالك .. لم تثمر شجرة الحب
في قصر مصطفي بك الشربيني غير ثمرة واحدة، لم تكن هذه الثمرة غير
شاهيناز الشربيني. كانت رقيقة حالمة ، وديعة ، صافية الوجه والبال..
تنام على وجهها براءة لا تشتهر بها بنات الأحياء الراقية.. لم
تكن أبداً مثلهن .. لا تحب التليفونات المحمولة، فهي لا ترى
ضرورة لحمل هذه الآلة المزعجة ، والتي تقطع عليها خلوة التأمل ..
علاوة على أنها قليلة الأصدقاء .. قليلة الذهاب إلى النادي.. وإن
ذهبت تصر على خلع مظاهر الترف ، تمشي في وقار واتزان.. يحسدها
البعض .. ويحقد عليها الكثيرون..
كان مصطفي بك الشربيني والد شاهي من أعيان محافظة الغربية ، وكانت
له عزبة باسمه تنام في حضن دلتا النيل. كان الشربيني شديد الطباع ،
قوي الحجة ، يستمد سلطانه من تاريخ عائلة عريقة ينحدر منها ، ومن
موقعه الكبير في وزارة الداخلية.
استطاعت شاهي ببراعة أن تحيط نفسها بدائرة من الوقار والاحترام،
بما يليق بوضع والدها ، وبما تمليه عليها تربيتها المحافظة .
كانت دائرة شاهي مغلقة عليها ينام قلبها الأخضر في مركزها بعيداً
عن أي تيارات قد تمس محيطها ، أما عقلها فكان الحارس اليقظ
المكلف بصون شاهي من أي محاولات لاختراق فضائها الحالم..
لم يكن في قلب شاهي الصغير غير حب والديها وروبي صديقتها الوحيدة
، وطيف رجل تنتظره ليأتي ويدخلها في محيط دائرته وسط زغاريد أم
حنون ومباركة أب وقور.. كانت تعاتب حبيبها الذي طال انتظاره رغم
كثرة المريدين.. وكثيراً ما طافت حول مقلتيها دموع يدفعها الوجد،
ويمنعها الحياء والكبرياء..
في النادي ، وحول موائده التي تمتلئ بحكايات عن الأعضاء وغير
الأعضاء الحقيقي منها والكاذب .. على هذه الموائد لم تظهر أي
حكاية عن شاهيناز الشربيني .. مرات قليلة تجرأ فيها ضعفاء النفوس
على الخوض في سيرتها .. لكن حكاياتهم المريضة ولدت ميتة .. لم
تجد بيئة خصبة .. ولم ينتج عن الفتنة غير حسرة في قلوب مشعليها..
كانت شاهي تزور النادي بين الحين والآخر ثم تختفي ولا يجرؤ شاب
على ملاحقة هذا الاختفاء.. أو حتى التبشير بظهور جديد لها..
وقد فسر البعض أن عزوة أبيها ومكانته هي السبب وراء احترام الناس
لشاهي ، وظل هذا الاعتقاد سائداً حتى ظهرت تطاولات على بنات
كثيرة لا يقل سلطان آبائهن عن سلطان الشربيني بك. ومع ذلك لم يجرؤ
أحد للنيل من سمعة شاهي الجميلة.
ـ هل جربت استخدام الإنترنت يا شاهي؟
ـ سمعت عنها كثيراً يا روبي ، لكن لا أعرف استخداماتها..
ـ لا عليك صديقتي..هذه الشبكة مصممة لأن يبحث فيها الأطفال فما
بالك بنا نحن الكبار..
ـ لكن لا حاجة لي بها يا روبي..أنا لست باحثة عن شيء .. وقد
انتهيت من دراستي ..
ـ الإنترنت يا صديقتي عالم آخر ولكنه يختبئ وراء نافذة زجاجية..
ترين منها كل ملامحه .. ولا يرى منك غير ما تجودين به من معلومات..
ثم بدأت شاهي تتعلم كيفية البحث في الإنترنت .. وأصبحت تقضي أمام
الإنترنت في غرفتها أكثر من الوقت التي تقضيه في النوم والأكل
وبقية شؤونها الحياتية.. لقد وجدت في الإنترنت مخرجاً خرجت من
خلاله من دائرتها الصغيرة إلى الدنيا الواسعة..
كما عرفت شاهي طريق الدردشة عبر الإنترنت ..راحت تفتش عن حبيبها
الغائب بين الأسماء المستعارة..
كتب لها .. هل من الممكن أن أداعب جفون الأمل داخلك؟.. كانت
الرسالة من شاب استعار له اسم الأمير الحزين.. تجاهلته في
البداية..كرر لها الرسالة.. ترددت هل ترد أم لا .. كرر لها
الرسالة.. في المرة الثالثة..أجابته..
ـ من أنت؟
ـ أمير ضاق به الواقع ، وبخل عليه بالسعادة.. وراح يفتش عن
السعادة بين طيات السراب.. وأنت ؟
ـ أميرة سجينة .. تفتش عن أمير سعيد وسط أكوام الغيب..
ـ وهل تظنين أن هناك أميراً سعيداً وهو لم يعرفك بعد؟ من أين
تأتي السعادة إذن وهو بعيد عنك؟..من أي المدن أنت أميرتي؟
ـ أنا قاهرية..وأنت ؟
ـ إسكندراني..وعمري 25 عاماً ، وأنت.. كم عمرك؟
ـ 23 عاماً..
شعرت شاهي أن محدثها على الإنترنت هو نفسه حبيبها الذي طالما
داعب قلبها في الأيام الخوالي.. طلب منها أن تشتري هاتفاً محمولا..
اشترته.. التهبت المكالمات .. حب .. وجد .. غزل.. عهود .. أماني..
وأوقات خارج الزمن..تبادلا الصور.. ولم يعد للاسماء المستعارة
مكان في حياتهما.. قالت له ..أنا شهيناز الشربيني.. وأخبرها أن
اسمه عمرو عبدالستار مهندس البواخر في ميناء الإسكندرية..
اتشحت حياتها باللون الوردي.. وملأت رائحة فتاها كل دائرتها،
وغمر حبه قلبها الأخضر .ونام عقلها وارتاح من تعب الحراسة..بعد
أن اطمأن على قلب صاحبته..أصبحت رنات هاتفها وقفاً على
صاحبها..كانت تنتظرها بشوق كانتظار المذنبين للغفران.. شعرت الأم
بسعادة الأنثى حين أدركت أن ابنتها ملفوفة في ملاءة الغرام
العفيف ..والأب قد اكتفى بما تنقله له زوجته من أخبار سارة
مرتقبة.. في حين ظهرت على جدران القصر أمارات الفرح..
أما روبي صديقة شاهي فقد شعرت أن غريما قد أخذ صديقتها
منها..لكنها كانت على أي حال سعيدة وهي ترى أحلام شاهي في طريقها
لارتداء ثوب الحقيقة.. وزادت روبي من استخدام الإنترنت لتعوض
انشغال صديقتها عنها و طمعاً في العثور على أمير آخر حزين..قد
يسعدها هي الأخرى.
في المساء .. وعلى موائد النادي العامرة بالأعضاء والزوار .. لم
تكن هناك سيرة غيرة سيرة شاهيناز الشربيني .. وتلك الأشرطة التي
سجلها لها حبيبها عمرو عبدالستار ، والذي لم يكن غير شريف
السلحدار أشقى أشقياء النادي .. الذي راهن أن يقتحم فضاء شاهي ،
وأن يفتح باب قلبها المتكبر عنوة.. كانت مكالمات شاهي تدور سراً
على الموائد عبر الأشرطة التي سجلها لها الملعون.. انتشر الغمز
واللمز.. الحاسدات يؤكدن على ضرورة تتويج الشيطان الذي كسر قلبها..
والحاقدات يؤيدن بشده..ولا صوت يدافع عن شاهي .. ولا أحد يلملم
سيرتها من على كل الموائد..
وفي البهو الكبير من قصر الشربيني .. كانت هناك أم حزينة.. وأب لا
تفارق عيونه إحدى النقوش على سجادة البهو.. وعقل غائب لفتاة كانت
بريئة.. وقلب أخضر مكسورة جوانبه.