رائحة الموت تملأ
المكان..العيون ممتلئة حتى آخرها بالدموع..صبايا يلطمن الخدود ..أطفال
ضاعت لعبهم تحت أقدام الباكين.. مكبرات الصوت تملأ شوارع القرية..
لقد ماتت.. والمقابلة عند المقابر ..في الخامسة والنصف..
لم اكن أعرفها.. كنت صغيراً.. كانت كبيرة.. سمعت أمي تحدث أخي
الأكبر عنها.. وسمعت أبي ذات مرة يخبر أمي بأن البلد رفضت عودتها
من هناك.. لم أكن أعرف بالضبط أين هناك..فقط فهمت أنها في مكان
بعيد..
ذهب أبي إلى صلاة العصر.. الشمس مخنوقة بعض الشيء.. سمعت أحد
المارين في شارعنا الضيق يغمم بكلام .. كان اسمها هو الشيء
الوحيد الذي فهمته من كلامه..سألني وأنا على باب الدار.. هل تسمع
صوت القطار الذي يجري هناك وسط المزارع..؟؟ هل سيجري القطار أيضاً
بعد موتها ؟؟.. تركني دون أن يسمع إجابتي.. هو لم يكن يسألني
منتظراً إجابة..وأنا لم تكن عندي نية الرد..فهل سيتوقف القطار من
أجل موت واحدة؟؟.. عدت اسأل نفسي.. وكيف يجري بعد موتها.. ولماذا
يجري؟؟ ..
الراديو يعلن تمام الرابعة.. تكفلت مكبرات الصوت في مساجد القرية
كلها بنقل قرآن بعد العصر من الإذاعة..غافلت الجميع وذهبت إلى
المقابر..سيارة إسعاف تتوقف وسط صراخ الصبايا.. الأيادي تزحف
ناحية الجثمان مرتعشة.. والنعش الأخضر على باب السيارة.. ومراسم
زراعتها تحت التراب قد اكتملت.. كانت السيارة بعيدة عن المقابر
لضيق الطريق..شاب يتقدم ناحية التعش..حزن وجهه لم يستطع إخفاء
وسامته..النعش الثقيل لم يعبت بثيابه المرتبة..أصر أن يحمل النعش
حتى باب القبر..كما اصر أن ينزل بها إلى حيث يتركها الجميع..كنت
اختلس النظرات من بين جلاليب الرجال الداكنة..الكل يربت على
كتفيه..لعله أخوها.. لا ادري.. ثم رأيت الطين المخلوط
بالقش..فهمت أن دقائق قليلة بقيت ويجف الطين على الباب..
ويجري القطار كل يوم.. كما تجري خطوات العمر معه.. عرفت أنها
حملت سفاحاً والحكم جاء بطردها في منتصف الليل خارج القرية..
وعرفت أنها أشعلت النار في جسدها على باب أحد مساجد المدينة
القريبة..وأن الشاب الذي أصر على أن يحمل النعش بها .. هو والد
ذلك البرئ الذي احترق داخل أمه هناك على أعتاب المسجد..